مؤسسة دائرة المعارف فقه الاسلامي

325

موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت ( ع )

ليس إلّاعدم قدرة المكلّف على الجمع بينهما في الامتثال . ومن الواضح أنّ المانعية إنّما تتحقّق إذا كان طلبهما في عرض واحد وعلى وجه الإطلاق ، وأمّا إذا كان طلب أحدهما مقيّداً بترك الآخر من تعرّضه لحال تركه - كما هو المفروض - فلا مانع عندئذٍ أصلًا ؛ لأنّ المكلّف قادر على امتثال الأهم وعلى امتثال المهم في ظرف ترك الأهم « 1 » . وهناك عدّة تقريبات أخرى للإمكان ، وهي : الأوّل : أنّ اقتضاء كلّ أمر لإطاعة نفسه في رتبة سابقة على إطاعته ؛ إذ الإطاعة مرتبة تأثير الأمر وأثره ، ومن البديهي أنّ كلّ علّة منعزلة في رتبة أثرها عن التأثير ، ولازم تأخّر الإطاعة عن أمرها كون عصيان الأمر الذي هو نقيض إطاعته أيضاً في رتبةٍ متأخّرة عن الأمر واقتضائه ، وعلى هذا الأساس فإذا أنيط أمرٌ بعصيان هذا الأمر فلا شبهة أنّ هذه الإناطة تخرج الأمرين عن المزاحمة في التأثير ؛ إذ في رتبة الأمر بالأهم - وتأثيره في صَرف القدرة نحوه - لا وجود للأمر بالمهم ، وفي رتبة وجود الأمر بالمهم لا يكون اقتضاء للأمر بالأهم ، فلا مطاردة بين الأمرين « 2 » . وأجيب : بأنّ غائلة المنافاة والتضادّ في اجتماع المتضادّين تكمن في اجتماعهما في زمان واحد لا في رتبة واحدة ؛ لأنّها من شؤون وجود الضدّين في الزمان ؛ ولهذا لا ترتفع المضادّة حتى لو فرض الطولية بين الأمرين بأن يكون ثبوت أحدهما علّة وموضوعاً للآخر . والحاصل : ملاك الاستحالة المعيّة في زمان واحد لا في رتبة واحدة ، وغاية ما يثبت بهذا التقريب عدم المعيّة في الرتبة مع وحدة الزمان ، فلا يجدي في دفع الامتناع « 3 » . التقريب الثاني وحاصله : أنّ وجود الشيء طارد لجميع أعدامه ولو كانت من ناحية مقدّماته أو وجود ضدّه ، فإذا وقع مثل هذا الوجود تحت الطلب فمعناه أنّه يستحيل الترخيص في مقدّماته أو وجود ضدّه .

--> ( 1 ) المحاضرات 3 : 122 - 123 . ( 2 ) انظر : نهاية الدراية 2 : 218 . ( 3 ) انظر : بحوث في علم الأصول 2 : 340 .